Article

 

 

احمد كمال الدين
رسالة من صريفا : هي عروس تتجلى في ليالي البدر تغتسل بماء الحياة وتزدهي بشرا وطيبة


خاص ليا مشغن

احمد كمال الدين

رسالة من صريفا : هي عروس تتجلى في ليالي البدر تغتسل بماء الحياة وتزدهي بشرا وطيبة

 

 

 

صريفا هي قريتي, جنوبية الامكنة وانيسة الازمنة, صامدة صابرة في وجه العاتيات, مقاومة للاعداء واهلها يرفضون الظلم والاستبداد على الدوام.

ما احيلى بلدتي على مر الايام. فهي عروس تتجلى في ليالي البدر تغتسل بماء الحياة وتزدهي بشرا وطيبة. انها محدثة القمر وهو حارسها ينثر ضوءه فينير عتم ازقتها ويسامر سطوح بيوتها. اهلها طيبون, كرماء, مضيافون مسكونون بحب الوافدين عليها حتى ليخال الوافد انه صاحب الدار فعلا لا قولا.


بلى! هي درة اخواتها القرى تختال في تيه على تلة مباركة وتنام في غنج بعد تعب السهر لتغفو في ثياب الساهرين ومن ثم تستفيق مستريحة مع بلل الندى واهل المزارعين والحصادين وهي تمسح عنها الطل بخيوط الشمس الباحثة عن مكان وراء النوافذ ومن ثقةب الجدران والابواب. هذه الخيوط الدافئة تنسل في ثنايا الاشجار وترشق تلالها بالخيطان الصفر كما تطرق كل سهل ومنحدر وواد وتفرش ملاءتها. ويزيد من عجبي ان الشمس تنشر كل صباح غسيل خيوطها على مآذن البلدة بعدد اضلاع المثلث, ورجيع صدى الله اكبر ينزل بردا و سلاما على المؤمنين حتى اني اخال القمر يلملم قطع الغسيل مع اول الليل كي لا يدركها البلل من جديد, ولا استثني حزمات الضوؤ التي تختبىء كل صباح في باحات مدارسها الثلاث لكأنها تتدارس حصصها ولا تشبع وما استاذها الّا الخالق المدبر..


البلدة القديمة تندثر لاهثة وراء كل مستحدث حتى انه لم يبق فيها الّا ثلاثة او اربعة قطعان من الماشية والغنم بالضافة الى اعداد قليلة من الابقار والخيول والدواب. وهذه ما هي الّا كائنات سيارة تآلفت مع الرعيان و آخت الفلاحين حتى ان الفلاح يحدّث بقرته او ثوره ويسميهما كما يحدّث الصديق صديقه ويناديه باسمه.


امّا دور العبادة فهي الشاهدة على اجتماع الضوء في مناسبة وغير مناسبة. ناهيك عن ان ساحة البلدة يغطيها لحاف الدفىء كما باقي الطرقات وهذه بدورها تشكل نقاط ارتكاز لعكازات الضوء العديدة. امّا دار البلدية شرقي البلدة فيدخلها سنى الشمس لكأنه على موعد اجتماع مع رئيسها وسائر الاعضاء المحترمين. وقريبا من دار البلدية تنضح عين بالماء الرقراق حيث تردها الصبايا يستسقين منها ويعدن بفرح وهن يحملن جرارهن على اكتافهن كأنها اوسكارات لأفضل الممثلات وهن يغنين مواويل العتابا تسبقها رندحة الميجانا علي ايقاع اوركسترا الراعي حميد وحنجرته القصبية التي تلازم اصابعه وشفتيه وهو ينفخ فيها من روحه اعذب الالحان, يلعب بالعرب والعلب والنوتات كأنه خريج أشهر كليات الموسيقى العالمية. بالتأكيد يسمع العالم بباخ و بتهوفن وغيرهما لكنهم لا يسمعون بحميد واقرانه في قرانا ممن تلازم المنجيرة افواههم كسيجارة اشعلها مدخن للتو, هذا ينفث دخانه ويزكم الانوف وحميد يعزف الحانه ويشنف الأذان.. وفضاء القرية يزداد رحابة وفرحا وسعادة باعراس البلدة تتطاير فيها مواويل العتابا والميجانا والدلعونا.

 

أكاد واشرف على الستين وفي خلدي ان قريتي صريفا صغيرة بجغرافيتها وكبيرة بطموحها, يومها دؤوب كعقرب الساعة يمر في محطات الاجداد وزمانه لا يهدأ لركيزة الساحة وتجمع كبار السن ورائحة الزعتر والياسمين وبعض شجيرات الحمضيات. اشم رائحة جدي وابي في احجار الضيعة التي كانا يجلسان عليها. امر في ازقتها واشم من بيوتها حنايا السمّار وزوار النهار. كأني ارى ابي كيفما اتجهت اسمع صوته, ضحكته ومن قبل أرى طلته وهو يتعكز على عصا تخبىء وراءها ما يقرب من قرن من الزمان قضاه بجد وعافية وحضور بارز حيثما حل.

1232 days ago
 
Recommend
 
Back to Top